|
اعترافات المؤرخين الجدد
إسرائيل
قامت بأكبر عملية تطهير عرقي
د.سلمان أبو ستة
مجلة وجهات نظر ، نوفمبر 2000
حمل العرب، والفلسطينيون خاصة، جرحاً غائراً في
صدورهم وهو نكبة فلسطين عام 1948، لن يشفى ولن تبرأ كل آثاره
حتى لو أزيلت آثار هذه الجريمة غير المسبوقة في التاريخ
الحديث·. لقد أدت النكبة إلى سقوط عروش واغتيال زعماء وتغيير
أنظمة·. وعندما طردت القوات الإسرائيلية أهالي 530 مدينة وقرية
من ديارهم عام النكبة، خرج حوالي مليون لاجئ إلى أماكن اللجوء
فيما تبقى من فلسطين والدول العربية المجاورة، وحملوا معهم
ذكريات موجعة عن فقدان الوطن والذبح والتشريد، وأصبحت هذه
التجربة الإنسانية مادة لأدبيات اللاجئين ثم أدبيات الثورة، ثم
أصبحت مخزناً للذاكرة الجماعية للفلسطينيين، تدعمها السير
الذاتية والقصص والأشعار، دعك من كتب التاريخ والجغرافيا
والاجتماع التي تعيد تركيب المجتمع الفلسطيني في الشتات بكامل
صفاته ولكن في مكان جغرافي آخر، وتعيد تركيب الوطن الذي حرموا
منه بكل ما يحمله الشوق والخيال والحسرة والإصرار على العودة
من تضاريس وألوان·.
وفي نفس الوقت، أقام اليهود، الذين أصبحوا
يسمون إسرائيليين، ستاراً حديدياً حول الوطن الضائع، تجسيداً
لمقولة جابوتنسكي بأنه لا يمكن لإسرائيل أن تعيش إلا إذا طردت
العرب وأقامت حول نفسها ستاراً حديدياً من القوة·.
لم يعرف العرب بعد النكبة ماذا يدور خلف هذا
الستار، بسبب العزل الكامل الذي فرضه كل طرف على نفسه·. عاش
اليهود خلف هذا الستار الواقي محتمين بقوة عسكرية صدت العرب·.
وبلغة ميتة بدأت تعود إلى الحياة لا يعرفها العرب، فأصبحت أشبه
بشفرة سرية يتكلمها أفراد العدو بينما يعرف هذا العدو لغة
العرب، وبأسلوب حياة غريب على العرب، وحتى على الأوروبيين، على
شكل حياة جماعية شيوعية المبدأ تمجد الجندي /المزارع الذي
يحارب في الليل ويزرع في النهار·.
ولم يعرف العرب، عن جهل أو تجاهل، ماذا حدث
للوطن الضائع، ماذا حدث لمئات القرى والمدن، ماذا حدث لتلك
البيوت التي هُجرت تحت القصف وترويع المذابح، وبها الصور على
الحائط، الطعام لا يزال ساخناً في المطبخ، الفراش المبعثر،
الزهور التي تركت دون أن تسقى، القطة أو الكلب الذي بقي دون
صاحبه·. ماذا حدث للمساحات الشاسعة من الأراضي المزروعة،
للمحصول الذي نضج ولم يحصده صاحبه، لبساتين البرتقال والزيتون
الذي ينتظر القطاف، لآلاف الماشية والأغنام التي تركت هائمة
دون ماء تشرب أو طعام تأكل·.
خرج الناس وفي قلوبهم "نكبة" النفس، وتركوا
خلفهم "نكبة" المكان، حياة ومجتمعاً وتاريخاً انتزعت منه
الجغرافيا وبقيت في مكان آخر·.
بعد نصف قرن،
يأتينا هذا الكتاب: "المكان المقدس"
(1)
يشرح فيه ميرون بنفنيستي، كيف تم تدمير "المكان المقدس"
الفلسطيني ليقام على أشلائه مكان إسرائيلي يستجدون له ثوباً من
القداسة، واسعاً مهلهلاً كثير الثقوب لا يخفي معالم الخطيئة
الأولى التي صنعت مكانهم هذا·.
يجب أن نعترف أن ميرون بنفنيستي يكتب عن المكان
بعاطفة جياشة نحوه·. وبصراحة غير معهودة عن الجرائم
الإسرائيلية في حق الفلسطينيين·. أكاد أحياناً أتخيل أن المؤلف
فلسطيني، لولا أن الصهيونية تطفو من وقت لآخر على السطح عندما
نجده يتوقف عن وصف الفظائع وينكر الحقوق عند حاجز لا يعبره إلا
بتبرير أو تفسير·. ولا غرو، فالكاتب لا ينسى طفولته عندما كان
أبوه، الصهيوني العتيد، يأخذه للطواف في كل أنحاء فلسطين،
ليعرفه على "بلادنا"، وعندما كان أبوه يكتب كتباً لتدريس
الناشئة الصهيونية عن "أرض إسرائيل"· ربما كانت لديه عاطفة عن
المكان وهو اليهودي السفاردي الذي عاش أجداده بين العرب في
الأندلس أزهى عصورهم· هذه العصور أنجبت فيلسوفهم الفذ موسى بن
ميمون (ميمونيدس)، الذي لم يجد له مأوى، عندما طرد الكاثوليك
الأسبان سكان البلاد من عرب ويهود، إلا في القاهرة ليموت فيها،
مفضلاً إياها عن صفد الفلسطينية ذات المدارس الدينية
اليهودية·. يقول المؤلف إنه تعلم حب البلاد منذ صغره، ويوحي
كتابه بأنه لا يتفق مع كل المبادئ الشمولية الصهيونية التي
تعلمها صغيراً، ولكن بقي له من هذه المبادئ ما يكفيه لأن يعيش
في إسرائيل على أرض فلسطينية، إن لم يكن فعلاً فمجازاً، ولأن
يرفض عودة صاحب الأرض، الذي يعطف عليه في كتابه، إلى "المكان
المقدس" الذي يملكه هذا اللاجئ المحروم من العودة، ويسكنه الآن
أغراب عن هذا المكان وعن طبيعة الحياة التي سادته قروناً
عديدة·
عمل المؤلف في جهاز الاحتلال الإسرائيلي الذي
سيطر على الضفة الغربية، وقام بأول جرد علمي يسجل مظاهر الحياة
فيها من سكان واقتصاد وتعليم، وكان نائباً لرئيس بلدة القدس،
التي تفخر بضم القدس العربية لها وإنشاء مساكن وخدمات لأكثر من
150ألف مستوطن يهودي بينما لا تخجل من أنها لم تقدم شيئاً على
الإطلاق لسكانها الفلسطينيين الذين يتجاوز عددهم 000ر200·.
هو إذن يعرف أين يقع الخطأ والصواب، ويقف إلى
جانب الخطأ الإسرائيلي ويمتنع عن الدفاع عن الصواب الفلسطيني·.
هو واحد من هؤلاء المؤرخين الإسرائيليين الجدد - هل نقول
المعترفين الجدد - الذين يجهرون لأول مرة بما كان يردده
الفلسطينيون منذ خمسة عقود ولا مجيب·. لماذا يقولونه الآن؟ هل
يشعرون بأن قوة الباطل تغلبت على ضعف الحق؟ ربما· لكنهم يذكرون
الحقائق كسرد تاريخي مجرد، في فضاء عقيم، ويتراجعون عن استخلاص
العبرة منها والمسؤولية عنها والدعوة إلى إصلاح خطيئة إسرائيل
الأولى·. نستثني من هؤلاء المؤرخين·. إيلان بابي، ونورمان
فنكلشتين إلى حد ما، الذين يصفان الجريمة ويصفان مرتكبها
ويدينانه·.
يبدأ الكتاب بسرد وقائع النزوح منذ قرار الأمم
المتحدة بالتوصية بتقسيم فلسطين إلى دولتين: دولة يهودية على
54%، من مساحة فلسطين، لمن يملكون 5% فقط منها، ونصف سكانها
عرب، ودولة عربية على مساحة 46% لمن يملكون 95% منها ولا يوجد
بين سكانها يهود·. هذا الظلم الفادح قابله العرب بالاحتجاجات
والمظاهرات، وقابله اليهود الذين كانوا يستعدون لهذا اليوم من
زمن، بنسف البيوت العربية في أبو كبير ودير أيوب، واقترفوا أول
مذبحة في الخصاص وأجلوا أهالي قرية عزّون·. كل هذا في أول شهر
بعد التقسيم ولم ينقض عام 1947 بعد·.
يقول المؤلف أن هذا كان بداية نشوء “مبدأ
الردع” أو الانتقام في السياسة الإسرائيلية، الذي استعملته
إسرائيل لترويع الأهالي وتدمير القرى، خصوصاً في الخمسينيات
عندما اقترف مجرم الحرب أريل شارون مذابح قبية والبريج
والعزازمة·. لم يكن هذا المبدأ نتيجة عارضة للصراع، كما يذكر
المؤلف، لأن نظرية الصهيونية كانت، وما زالت، تقوم على أساس
الاستيلاء على الأرض وقتل السكان أو طردهم أو التخلص منهم بأية
طريقة·. وحيث أن عدد العرب كبير وإمكانياتهم الاستراتيجية
كبيرة، ترى إسرائيل أنه يجب ألا تتاح لهم فرصة الاستفادة من
هذه المميزات أو تقوية روحهم المعنوية بإمكانية استعمالها·.
ولذلك تضرب إسرائيل أماكن صغيرة بقوة كبيرة في وقت ومكان
تختاره لتعطي المثل على قوتها التي لا تقهر·.
في نهاية مارس 1948، قبل أن يبدأ الغزو
الإسرائيلي، تمكن اليهود من طرد 000ر50 لاجئ من ديارهم
واقترفوا مذبحة في سعسع قتل فيها ستون شخصاً·. بعد ذلك مباشرة،
في أوائل إبريل 1948 نفض بن جوريون الغبار عن خطته لغزو فلسطين
التي أعدها قبل 4 سنوات، ومرت بأربعة تعديلات آخرها خطة "دالت"
وأصدر أوامره لجيش قوامه 000ر65 جندي صهيوني مدرب، ضباطه خاضوا
غمار الحرب العالمية الثانية، بتدمير المجتمع العربي في
فلسطين، بأهله ومؤسساته وقراه ومدنه، وباختصار إزالة كل آثار
المكان الإنسانية والعمرانية، لا يبقى لليهود فيها إلا قاع
صفصف ليس فيها ديار أو نافخ نار·.
تقضي الخطة دالت، التي نشرها بالعربية المؤرخ
الفلسطيني وليد الخالدي، ويشرحها المؤلف، بتدمير القرى وطرد
السكان إلى خارج "الدولة" (لم تكن دولة إسرائيل قد أعلنت بعد
ومع ذلك ذكرت بالاسم)، والقضاء على أية مقاومة مسلحة والإبقاء
على قوات في القرى المحتلة (لمنع عودة أهلها)·. حددت الخطة
بالتفصيل القرى التي ستحتل في كل منطقة ومراكز الشرطة
والمؤسسات العامة والمواصلات وغيرها·.
ومن يقف أمام هذا كله؟ الجيش البريطاني، الذي
يلزمه صك الانتداب بحماية الأهالي ورعايتهم إلى أن تقوم دولتهم
في كل فلسطين، حزم حقائبه وبدأ في الانسحاب من فلسطين لكي
ينتهي منه في 15/5/1948· لم يتحرك هذا الجيش لحماية الأهالي
حتى عندما استغاث به الأهالي أثناء مذبحة دير ياسين التي حدثت
على بعد 5 كم من مكتب المندوب السامي البريطاني·.
كان الاستعداد لتدمير فلسطين شاملاً لأدق
التفاصيل·. يسرد المؤلف قصة "ملف القرى" الذي أعده الصهاينة
لكل قرية على مدة عدة سنين سابقة·. لقد سجلت في هذا الملف
خصائص كل قرية: مساحة أرضها واقتصادها وماذا تزرع، وأسماء
المختار (العمدة) وأقاربه وأصدقاؤه وأعداؤه، ومكان مضافته
وتخزين المحصول وبئر الماء·. وكان ذلك يتم خلال ما يبدو أنه
زيارة بريئة للمستعمرين الذين يرتدون الزي العربي ويتحدثون
اللغة العربية·. يدخل هؤلاء إلى القرية للزيارة أو الضيافة أو
لشرب الماء، ويسجلون كل صغيرة وكبيرة· . (لا تزال فرقة
المستعمرين تعمل حتى اليوم ويسمونها فرقة الموت، إذ تتغلغل بين
المتظاهرين وتهتف معهم وتغتال قادتهم)·.
كان بن جوريون ينتظر، وخطته جاهزة منذ 4 سنوات،
إلى أن يتأكد أن خروج بريطانيا من فلسطين مؤكد، ويتفرغ لمواجهة
شعب أعزل، يدافع عنه 2500 مناضل شعبي موزعين على عدة مئات من
القرى والمدن دون سلاح فعال أو قيادة موحدة، وانضم إليهم فيما
بعد 5000 متطوع سوري ومصري وآخرون من العرب دخلوا قبل أفول شمس
الانتداب بقليل·.
هذا هو الوقت الذي ينتظره بن جوريون ليضرب
ضربته ويفوز بالغنيمة قبل أن تدخل القوات العربية النظامية
التي منعها الإنجليز من الدخول أثناء الانتداب·. كان تحسبه من
هذه القوات مجرد زيادة في الحذر، لأن ضباطه وتقارير الدول
الغربية (وحتى تقرير اللواء إسماعيل صفوت قائد قوات الجامعة
العربية) أكدوا في بداية عام 1948 أن اليهود منتصرون لا
محالة·. لكن الحكام العرب تغاضوا عن هذه الحقيقة وفضلوا الزج
بقواتهم، خوفاً من غضبة الجماهير وهي ترى ضياع فلسطين، لكي
يقرر ميدان المعركة مصير هذا البلد المسكين·.
يبذل المؤلف، مثل غيره من الإسرائيليين ومنهم
بني موريس المشهور، جهداً كبيراً لإثبات أن "تدمير القرى"
و"طرد السكان" ليس عملية تطهير عرقي منظمة في هذه الفترة على
الأقل، وإنما هي من عوارض الحرب·. لكن المؤلف يسلم بأن طرد
الفلسطينيين كان عملية تطهير عرقي فيما بعد، ويحمل هذه
المسؤولية إلى دولة إسرائيل بعد إعلانها، ورفعها عن نفس القادة
والجيش قبل إعلان الدولة، وهذه فذلكة تاريخية·. والدراسات
الجدية، حتى تلك التي اعتمدت على موريس، أثبتت أن 89% من القرى
هُجّرت بسبب عمل عسكري مباشر وأن 10% هجرت بسبب الحرب
النفسية·. وتبرير المؤلف جهد ضائع، لأنه بفرض أن تبريره فيه
شيء من الصحة، لماذا لا يعود أصحاب البيوت إلى بيوتهم، ولماذا
يقتل اللاجئ العائد إلى بيته بصفته متسللاً ولماذا تدمر القرى
الفلسطينية، ولماذا توسع الاحتلال ليشمل الأرض العربية في
الضفة وسيناء ولبنان وسوريا؟ حرب فلسطين 1948 لم تنته حتى
اليوم، ولن تنته إلا بانتهاء الصهيونية·.
كان أمام بن جوريون 36 يوماً قبل انتهاء
الانتداب وخروج الإنجليز (الذين لم يقفوا في طريقه على أية
حال) ودخول القوات العربية التي سيدخل معها حرباً نظامية،
نظرياً على الأقل·. كان عليه في هذه الفترة الاستيلاء على كل
الأراضي العربية الواقعة بين المستعمرات لتوسيع الرقعة
اليهودية وتواصلها وعليه فتح ممر بين تل أبيب والقدس (التي
كانت منطقة دولية حسب مشروع التقسيم) وتدمير كل القرى في هذه
المناطق وطرد جميع الأهالي من ديارهم، لجعلها خالية من العرب
(عبارة تذكر بمقولة النازيين لجعل ألمانيا خالية من اليهود)،
ولإعاقة تقدم القوات العربية فعلياً ومعنوياً بمنظر هذه
القوافل الإنسانية من اللاجئين تتقدم نحو القوات العربية التي
جاءت لإنقاذها·.
نجح بن جوريون في تنفيذ خطته نجاحاً باهراً رغم
تعثره في الاستيلاء على كامل مدينة القدس وهذه كانت خارج مشروع
التقسيم·. ودمر كثيراً من القرى العربية (بعد المعركة)، وتوج
انتصاره بمذبحة دير ياسين عندما عُرض الناجون من المذبحة
بملابسهم الرثة وحالهم البائسة في شاحنات تطوف بشوارع القدس
الغربية ليتفرج عليهم اليهود ويشتموهم ويحقروهم ويبصقوا عليهم،
في مشهد من أفظع مشاهد بربرية العصور الوسطى·.
شاهد المؤلف نفسه هذا الموكب البربري، وكان فتى
يافعاً ولم يثر هذا المشهد في نفسه من تعليق إلا وصفه بأنه
"منظر مقرف" ويسارع إلى ذكر إحساس الغضب والعار الذي نمكن من
غالبية سكان القدس اليهود الذين أصدروا بيانات استنكار·. ونسى
أنه ذكر في السطر السابق أنه شاهد هذا "المنظر المقرف" مع
"آلاف من سكان القدس اليهود"·. ولا ندري إن كانت هذه الآلاف هي
نفسها التي أصدرت بيانات استنكار·.
حصيلة هذه الأيام الستة والثلاثين من الغزو
اليهودي، ولا نقول الحرب لأن هذه فيها طرفان متوازنان، كانت
احتلال 213 قرية وطرد 000ر410 من سكانها (أرقام المؤلف أقل من
الحقيقة خلال الكتاب كله كما هو متوقع، فهو يذكر 207 قرى
و000ر380 لاجئ فقط) ومضاعفة الأرض التي سيطر عليها اليهود 3
مرات (من 1500 كيلو متر مربع إلى 5000)، وبذلك أعلنت دولة
إسرائيل على 13% من فلسطين·.
لقد حُسمت المعركة لصالح إسرائيل في هذا الوقت
المبكر وطردت أكثر من نصف اللاجئين قبل دخول القوات العربية
المنقذة· . هل كانت إسرائيل تخاف على وجودها من قوة العرب
"الهائلة"؟ كلا، يخبرنا المؤلف، أنه حتى في مارس، بدأ اليهود
في الاستيطان في القرى التي طرد أهلها·. بدأوا أولاً بحصد
المحاصيل التي خلفها اللاجئون وراءهم ومُنعوا من العودة إليها
بقتل كل من يعود إلى بيته، ثم حرقوا كل المحاصيل التي لم
يتمكنوا من حصادها·. قبل الحرب بكثير، في بداية 1948، كانت
اللجان الصهيونية قد وضعت خطة لاستيطان 5ر1 مليون يهودي
استعداداً لتدمير فلسطين وإحلال اليهود محل الأهالي
الفلسطينيين·. ولتسهيل ذلك أعطى بن جوريون أوامره لاحتلال
القرى في مجموعات، وليس فرادى لكي تتكون "قطاعات محررة" يتم
فيها الاستيطان على أرض الأملاك العامة وأملاك اللاجئين
المطرودين·.
لقد كان بن جوريون واعياً لحساب التاريخ
المكتوب، ويعلم تماماً أن عملية التطهير العرقي وطرد السكان
والمذابح وصمة في التاريخ الإنساني، وليس اليهودي فقط·. ويذكر
المؤلف حوادث عديدة، لم يسجل فهيا بن جوريون أوامر مكتوبة بل
كان يجهر في السجلات بعكس ما ينوي، وكان يعطي الأمر الحقيقي
بإشارة من يده أو نظرة من عينيه أو السكوت، ولم ينسب لنفسه
عملاً إجرامياً (لعله كان يحسب حساب محاكم جرائم الحرب التي
عقدت في نورمبرج قبل سنتين)·. فكان يحيل عمليات الطرد وإجلاء
السكان وكافة عمليات التطهير العرقي في أوامر غير مباشرة إلى
ضباط الجيش·. ويحيل عمليات الاستيلاء على الأراضي العربية
واستيطانها إلى لجان من الصندوق القومي اليهودي والوكالة
اليهودية "لعمل اللازم"·. بإشارة من يده، أصدر أمره إلى رابين
بإجلاء أهالي اللد والرملة بعد احتلالهما·. وهكذا خرجت قافلة
إنسانية من ستين ألفا في عز الصيف اللاهب، في رمضان/يوليو
1948، ومن يتوقف لشرب ماء يطلق عليه الرصاص·. تساقط المتاع على
جانبي الطريق، ثم تساقط الأطفال ثم الشيوخ·. هذه الجريمة
البشعة بقيت ولا تزال محفورة في صدور الآلاف، وتركت أثراً لا
يمحى في حياة الكثيرين منهم الشهيد خليل الوزير، والدكتور جورج
حبش، والفنان إسماعيل شموط والروائي رجائي بصيلة، ولكنها لا
تستحق سطراً واحداً في كتاب المؤلف·.
في فبراير 1948، قبل شهرين من بداية الغزو
الإسرائيلي، قال بن جوريون لقادة الصندوق القومي اليهودي الذي
يستولي على الأراضي: "الحرب ستعطينا الأرض·. انسوا مقولة هذه
لنا وهذه ليست لنا (أرض عربية)·. هذه كلها تعبيرات السلام·. في
الحرب تسقط هذه المعاني·. وفي النقب لن نشتري أرضاً، سنحتلها،
لا تنسوا أننا سنكون في حالة حرب" (ص120)· كان بن جوريون يخطط
لحرب شاملة، ليست مقصورة على القوات العسكرية، ولا تفرق بين
المحارب والأعزل، حرب تدور حول كل بيت وكل قطعة أرض وكل كيلو
متر من الطريق كما يقول·. كانت حربه عسكرية واقتصادية ومدنية،
يُقتل فيها الأطفال والنساء والشيوخ، وتسمم آبارها وترمي فيها
جراثيم التيفود، ويُقتلع أناس من ديارهم ويتشردون· لم يتردد في
اقتراف أي عمل يؤدي إلى تدمير المجتمع الفلسطيني تدميراً
كاملاً كشرط ضروري لإنشاء دولة إسرائيل على أنقاضه واستيطان
المهاجرين في بيوت اللاجئين وعلى أرضهم·.
لم يكن في هذا الواقع الدموي أي صفة من صفات
تلك الأساطير والدعايات التي رددها الغرب نقلاً عن اليهود،
وأشهرها داود الصغير المسالم المكافح بكل قواه الضئيلة ليبقى
على قيد الحياة في بيته الصغير أمام جحافل قوات جوليات العربية
التي ستأتي لسحق هذا المخلوق·. كان بن جوريون يمارس كل أنواع
التطهير العرقي في نفس الوقت ومن نفس المكتب الذي تصله فيه
برقيات وتقارير مكاتب إسرائيل في الخارج عن الدعاية الصهيونية
التي تشنها في الغرب، دون أن يهتز له جفن من هذه المفارقة·.
يصف المؤلف في سرد تفصيلي يخلو من المبالغة
والتعاطف في آن، كيف أن القوات اليهودية أجلت أهالي 60 قرية في
الجليل الشرقي، قبل نهاية مايو، لتربط المستعمرات اليهودية
بنهر الأردن وبحيرة طبرية، ولتكون جموع اللاجئين المطرودة سداً
في وجه القوات السورية والعراقية التي ستتقدم نحو فلسطين·.
وفي قرية صفصاف جمع اليهود الأهالي واختاروا 70
من شبابها صفوهم على حائط وقتلوهم بالرشاشات· وتكرر الأمر في
سعسع والصالحة وغيرها·. وعلى مرأى من أهالي صفد، دمر اليهود
بيوت قرية عين الزيتون المجاورة وذبحوا أهلها، لتتحطم روحهم
المعنوية·. وعندما سقطت صفد في 9 مايو سقطت حولها قرى كثيرة
وطرد أهلها، بمن فيهم هؤلاء الذين وقعوا معهم اتفاقية
بالمسالمة (مثل قرى الجاعونة وقيطية والخصاص)، وبدأوا على
الفور بحصاد 15ألف دونم (الدونم 1000 متر مربع) من الأراضي
العربية، وبدأ اليهود باستيطان القرى في 10 يونية والحرب لا
تزال قائمة·.
وتكرر الأمر بنفس الأسلوب وفي نفس الوقت ولنفس
الغرض في القرى المحيطة بطبرية ومرج ابن عامر والجليل الغربي،
وكلها مناطق ذات وجود يهودي في مستعمرات متفرقة غير مترابطة·.
والغرض كان ولا يزال توسيع الرقعة اليهودية وطرد السكان العرب
منها·. كان الجنود الإسرائيليون يتقدمون وخلفهم بخطوات رجال
الاستيطان الذين كانوا أحياناً يوجهونهم نحو الأراضي
المرغوبة·. طلب بعضهم من الجيش تدمير قرية البطيمات لأن أرضهم
امتداد لأرض يهودية، وطلبوا تدمير قرية إندور لأن أراضيهم
مناسبة لتوسعهم·. دمروا كل القرى بين أم خالد (نتانيا) وزمارين
(زخرون يعقوب) لزيادة الاتساع الجغرافي، وارتكبوا عدة فظائع في
أم زريق وقيسارية وزرنوقة، ولم يفرقوا بين من حاربهم ومن
استسلم لهم حتى الذين كانت بينهم علاقات جيرة جيدة· . عندما
قيل إنه ليس لليهود عهد، لم يكن هذا من فراغ، فهو أمر يتكرر
تجديده في كل آن·.
وتبقى قصة قريتي طيرة حيفا والطنطورة مثلاً في
الوحشية الإسرائيلية·. نجد المؤلف هنا ينسى ذكر الأولى ويسرد
وصفاً مبتوراً فاتراً للثانية· بعد سقوط طيرة حيفا، اعتقل
الإسرائيليون الشباب وقتلوهم في مجموعات بحيث تدفن المجموعة
التالية من سبقها وتقتل بدورها، وأخذوا الباقي إلى معسكرات
سخرة، وشحنوا النساء والشيوخ في سيارات لرميهم على خطوط القوات
العربية·. وهناك، وكان الوقت مساء يوم رمضان، طلبوا ماء للشرب،
فأجلسوهم على أكوام حصيد القمح الناشف، وصبوا عليهم بنزيناً
وأحرقوهم، وبينما كان هؤلاء الضحايا يصرخون ويستغيثون ولا
يدرون أين يتجهون في الظلام كان الإسرائيليون يضحكون·. قتل 55
شخصاً في هذه الفاجعة·. أما الطنطورة، فقد قاومت حتى الصباح،
وأخذ اليهود يجمعون النساء والأطفال ليشاهدوا جثث أهلهم، ثم
أخذوا الشباب، وقتلوهم في مجموعات كل مجموعة من 40 شخصاً،
يقتلون وتدفنهم المجموعة الثانية بنفس الأسلوب الذي كرروه في
كل المذابح حتى بلغ عدد الشهداء أكثر من 200·. وقد تداولت
الأخبار في بداية 1999 قصة مذبحة الطنطورة لأن باحثاً
إسرائيلياً "تيدي كاتس" كتب عنها، مع أن محمد نمر الخطيب نشر
في كتابه عام 1951 كامل التفاصيل ونقلها عن شاهد عيان كان أحد
الناجين من المذبحة·. ولكن لم يهتم أحد بالخبر الذي رواه
عربي·.
تعرض الجليل إلى 25 مذبحة من أصل 35 مذبحة أمكن
تسجيلها·. ذلك لأن الجليل كان عربياً في اقتراح التقسيم وأرضه
خصبة وسكانه رفضوا النزوح·. لا تكاد قرية تكون قد سلمت من
مذبحة صغيرة أو كبيرة، في سعسع وجش ومجد الكروم وعيلبون
والبعنة ودير الأسد وغيرها كثير·. وفي الجنوب، حيث لا يوجد إلا
القليل من اليهود (نصف في المائة من السكان) متناثرين في أماكن
متباعدة، قرر بن جوريون الاستيلاء على الجنوب بأكمله، الذي
دافع عنه المناضلون، إلى أن دخل الجيش المصري·. فاحتل اليهود
12 قرية في الربيع قبل دخول القوات المصرية، 34 قرية في الصيف
عدد سكانها 000ر160 حسب المؤلف (والصحيح 150 قرية عدد سكانها
000ر193)·. بهذا الاحتلال أضيفت إلى مساحة إسرائيل 15 ألف كيلو
متر مربع، أي تسعة أضعاف الأرض اليهودية، معظمها بعد توقيع
اتفاقية الهدنة مع مصر·.
واقترف الإسرائيليون مذابح في بئر السبع وبرير
وغيرهما، لكن أبشع مذبحة في تاريخ فلسطين كانت في قرية
الدوايمة·. يقول مختار القرية أن عدد الضحايا وصل إلى 500،
قتلوا بالرصاص والحرق في المسجد، وقتل الأطفال بالضرب على
رؤوسهم بالشواكيش·.
كل هذا مسجل في صدور الناجين وفي الكتابات
الفلسطينية، وظهر أخيراً في ملفات الأمم المتحدة والصليب
الأحمر (الأخيرة فتحت ملفاتها بعد 50 سنة)· والآن تظهر هذه
القصص في كتب المؤرخين الجدد مثل بني موريس·. ويذكر المؤلف بعض
هذه الفظائع بألم وأسف لكنه لا يرقى إلى درجة الإدانة أو
المطالبة بالجزاء كما يفعلون مع أمثالهم من مجرمي الحرب
الألمان·.
ودائماً تمارس إسرائيل مسرحية المظاهر
الحضارية، ففي معظم الحالات، تتكون لجان تحقيق قي هذه المجازر،
ولا تجد أدلة كافية أو تعاقب بعض المسؤولين بعقوبة تافهة·. كتب
العقيد هندرسون أحد مراقبي الهدنة التابعين للأمم المتحدة في
نوفمبر 1948: "إن هذه الفظائع كثيرة وليس لدينا الوقت والجهاز
لمتابعتها"·. وقال إنه عندما يطلب المراقبون استدعاء ضابط
مسؤول عن مجزرة لا يعثر عليه الإسرائيليون·.
وبالطبع يشارك بن جوريون في هذه المسرحية
بإدانة "الأعمال المشينة"، ويرتل أبياتاً من قصائد الشاعر
المشهور ناثان الترمان الذي استنكر هذه المجازر·. وهذا الأداء
الرخيص لم يمنع |